Isle of the Dead - جزيرة الموت

Share

خلال تصفحي لإحدى الحسابات للرسومات الفنية أسرت قلبي إحدى الرسومات، أثارت فضولي جداً فهي ليست كئيبة ولا بالسعيدة، بل كانت غامضة و هادئة. من شدة إعجابي بها قلت لنفسي لا بد أن تكون مقالتي الأولى عنها. 


ارنولد بوكلين (١٨٢٧-١٩٠١)
كان رساماً رمزياً سويسرياً عاش نصف حياتة في إيطاليا، تأثرت أعماله بشدة بالرومانسية و الأساطير و العصور القديمة و وجد إلهاماً في المناظر الطبيعية، وبتصوير المشاعر والأفكار و الرموز أكثر من الواقع نفسه. كانت علاقة بوكلين بالموت كبيرة، توفيت خطيبتة الأولى في سن مبكر، ثم تزوج من انجيلا روزا لورينزا باسكوتشي ومن بين الأطفال الخمسة عشر الذين أنجبوهم توفي خمسة في طفولتهم و ثلاثة آخرون قبل أن يبلغ بوكلين سن الشيخوخة. عاش في فترات طويلة من العزلة في إيطاليا بين المقابر القديمة والمناظر الساحلية الصخرية التي كانت مصدر الهام له.


ولادة جزيرة الموت الأولى
عام ١٨٨٠، كانت الأرملة ماريا بيرن غارقة في حزنها وألم فقدها لزوجها الذي رحل، أرادت أن تخلد ذكراه. فذهبت الفنان بوكلين و خلال زيارتها لمحت لوحة غير مكتملة بعد، رأتها في مراسم الفنان، فاعجبت بها جداً وكأنها الذكرى المنشودة والحلم الخالد. طلبت ماريا من بوكلين ان يضيف التابوت الملفوف والشخصية المكفنة على قارب التجديف. أرادت ماريا أن يرسم بوكلين لها لوحة تعبر عن السكينة بعد الموت والحنين لمن رحل.

اشتهرت اللوحة جداً في اوائل القرن العشرين في أوروبا الوسطى وكانت من اشهر اللوح للفنان بوكلين، فرسم ستة نسخ منها من عام ١٨٨٠ إلى ١٩٠١. أشار الروائي الروسي فلاديمير نابوكوف في روايته اليأس عام ١٩٣٦ أنه يمكن العثور على مطبوعات للوحة في كل منزل في برلين. فقد كان للوحة تقديراً وشعبية كبيرة، وقد أشترى ادولف هتلر النسخة الثالثة عام ١٨٨٣ وكان يعتبرها “تجسيد للموت البطولي والخلود الألماني”، فالكثير من الشخصيات التاريخية أشترت مطبوعات للوحة مثل سيغموند فرويد و فلاديمير لينين و وزير الحرب الفرنسي السابق جورج كليمنصو.


ولادة جزيرة الموت الثانية
بعد شهرة النسخة الأولى وانبهار زوار مرسمه بها، رسم الفنان النسخة الثانية في نفس السنة بطلب من جامع فنون أمريكي، هذي النسخه الآن في متحف المتروبوليتان.


ولادة جزيرة الموت الثالثة
الرسمة الأكثر شهرة من بين جميع النسخ الستة، رسمت عام ١٨٨٣. والتي توجد الآن في برلين، ألمانيا. وقال الفنان بوكلين إنه لا يمل من إعادة رسمها لأنها تأخذ أشكال مختلفة في أحلامه.


ولادة جزيرة الموت الرابعة
تم رسم النسخة الرابعة عام ١٨٨٤ فقط لتلبية الإحتياجات المالية، كنسخة طبق الأصل. أشتراها جامع الأعمال الفنية البارون هاينريش تايسن، وأحترقت بعد قصفها خلال الحرب العالمية الثانية. لم يتبق منها سوى صورة واحدة بالأبيض والأسود.


ولادة جزيرة الموت الخامسة
عام ١٨٨٦ رسم بوكلين النسخة الخامسة بطلب من متحف الفنون الجميلة في لايبزيغ والتي لا تزال هناك حتى يومنا هذا.


ولادة جزيرة الموت السادسة والأخيرة
عام ١٩٠١ رسم بوكلين النسخة الأخيرة لنفسة قبل وفاتة بفترة قصيرة، كانت الوداع والنهاية بالنسبة له ، وكأنها الموت والحياة بعد سنين طويلة من الفن و الفقد والألم.


الرمزية و المعاني المحتملة
لم يقدم الفنان بوكلين نفسه أي تفسير علني لمعنى اللوحة، على الرغم من أنه وصفها بأنها “صورة حلم: لا بد أنها تُنتج سكونًا كهذا يُذهِل المرء عند طرق الباب”، لم يوافق بوكلين على العناوين؛ على مر السنين، وصف هذه اللوحة بأنها الجزيرة الصامتة، وجزيرة القبور، والمكان الهادئ. فكان يرى على من يرى اللوحة ان يجدو معانيهم الخاصة فيها.

القارب
عادة ما يرمز القارب في الفن الغربي إلى رحلة الروح بعد الموت، القارب يمثل العبور بين العالم المادي والعالم الآخر. والتابوت فهو الجسد المادي و الشخصية البيضاء هي الروح نفسها و لونها الأبيض دليل على النقاء والتحرر من الجسد المادي، متجة إلى مصيرها الأبدي .

الجزيرة وأشجار السرو
الجزيرة في اللوحة محاطة بالماء من جميع الجهات مما يجعل منها رمز للإنفصال والعزلة. تهيمن على الجزيرة الصغيرة بستان كثيف من أشجار السرو الطويلة الداكنة يبدو أن أي ضوء قمر يصل إلى الصخرة المعزولة تستهلكه الأشجار كما لو أن الضوء لا يستطيع اختراق جليلها الأسود. والتي ترمز عند الإغريق و الرومان إلى شجرة الحداد والمقابر، فاصبحت ترمز إلى الخلود والصمت.

شارون
في الأساطير الإغريقيّة هو الملاح الذي ينقل الأرواح الميتة عبر نهر “ستيكس” إلى العالم السفلي.


جزيرة الحياة
اللوحة الأقل شهرة رسمت عام ١٨٨٨، الفنان بوكلين رسم أيضًا جزيرة الحياة. إختفت المنحدرات الصخرية الشاهقة، وأشرقت شمس دافئة ومعتدلة تغمر حفلة بهيجة. تزدهر مجموعة متنوعة من الأشجار، من أشجار النخيل إلى أشجار الكرز المزهرة، عبر اليابسة، متمركزة حول مرج صغير مليء بالمحتفلين ذوي الملابس الملونة. وفي المقدمة، تتجول البجعات والأشكال (ربما حوريات البحر؟) عبر الماء. قد لا تراها في البداية، لكن شخصية وحيدة (الوحيدة في اللوحة) ترتدي الأسود تقف منفصلة فوق حافة التل أسفل الأشجار. في المقدمة، يخوض العشاق المياه الدافئة متشابكي الأذرع، برفقة بجعات أليفة، وترمز للأمل والحياة وتعد نقيضاً لجزيرة الموت.


وفي الخاتمة أثر فيني جداً البحث والقراءة عن هذي اللوحة الفنية التي ستبقى خالدة في ذهني دائماً. فمن منظوري أرى في اللوحة الرحلة الحتمية لنا كبشر ولجميع أحبتنا. فالرحلة بالنهاية تملّها الوحدة والعزلة فهي الوداع الأخير والنظرة الأخيرة لكل ما كان لنا وطنا ومسكن. هي تذكرة ذهاب بلا عودة ابداً. الرحلة المجهولة رحلت الفقد الحتمية والأزلية مع وجود البشر. وفي النهاية كتب الفنان بوكلين لماريا رساله قصيرة مع اللوحة قال فيها:” لوحة للحلم، هادئة لدرجة انك ستسمعين خفقان قلبك”